الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

131

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

واعلم أن الأحاديث الصحيحة في حكم أطفال المشركين متعارضة ، فروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة وابن عباس أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سئل عن أولاد أو ذراري المشركين . فقال : « اللّه أعلم بما كانوا عاملين » ، وهذا الجواب يحتمل الوقف عن الجواب ، أي اللّه أعلم بحالهم كقول موسى عليه السلام : عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ [ طه : 52 ] جوابا لقول فرعون : فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى [ طه : 51 ] . ويحتمل أن المعنى اللّه أعلم بحال كل واحد منهم لو كبر ما ذا يكون عاملا من كفر أو إيمان ، أي فيعامله بما علم من حاله . و أخرج البخاري ومسلم ( ببعض اختلاف في اللفظ ) عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه ، أو ينصرانه أو يمجسانه » الحديث . زاد في رواية مسلم : ثم يقول ( أي أبو هريرة ) اقرءوا : فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ [ الروم : 30 ] فيقتضي أنهم يولدون على فطرة الإسلام حتى يدخل عليه من أبويه أو قريبه أو قرينه ما يغيره عن ذلك وهذا أظهر ما يستدل به في هذه المسألة . وقال المازري في « المعلم » : فاضطرب العلماء فيهم . والأحاديث وردت ظواهرها مختلفة واختلاف هذه الظواهر سبب اضطراب العلماء في ذلك والقطع هاهنا يبعد ا ه . وقول أبي هريرة : واقرءوا : فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها إلخ مصباح ينير وجه الجمع بين هذه الأخبار : وقد ورد في حديث الرؤيا عن سمرة بن جندب ما هو صريح في ذلك إذ قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « وأما الرجل الذي في الروضة فإنه إبراهيم عليه السلام وأما الولدان الذين حوله فكل مولود مات على الفطرة » . قال سمرة فقال بعض المسلمين : يا رسول اللّه « وأولاد المشركين ؟ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأولاد المشركين » . واختلفت أقوال العلماء في أولاد المشركين فقال ابن المبارك وحمّاد بن سلمة وحمّاد بن زيد وإسحاق بن راهويه والشافعي هم في مشيئة اللّه . والصحيح الذي عليه المحققون والجمهور أنهم في الجنة وهو ظاهر قول أبي هريرة . وذهب الأزارقة إلى أن أولاد المشركين تبع لآبائهم ، وقال أبو عبيد : سألت محمد بن الحسن عن حديث : « كل مولود يولد على الفطرة » فقال : كان ذلك أول الإسلام قبل أن تنزل الفرائض وقبل أن يفرض الجهاد . قال أبو عبيد : كأنه يعني أنه لو ولد على الفطرة لم يرثاه لأنه مسلم وهما كافران فلما فرضت الفرائض على خلاف ذلك جاز أن يسمى كافرا وعلم أنه يولد على دينهما . وهنالك أقوال أخرى كثيرة غير معزوة إلى معيّن ولا مستندة لأثر صحيح .